منتدى مجلة الفنون المسرحية
مرحبا بكم في منتدى مجلة الفنون المسرحية : نحو مسرح جديد ومتجدد
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» رائعة سلطان القاسمي المسرحية في محطة عالمية جديدة الإعلام السويدي يحتفي بـ«النمرود».. والجمهور يتزاحم
السبت 19 أغسطس 2017, 18:33 من طرف الفنان محسن النصار

» الإعلان عن الأبحاث المشاركة في المؤتمر الفكري لمهرجان المسرح العربي الدورة العاشرة سيتم نهاية شهر أغسطس الحالي
الخميس 17 أغسطس 2017, 11:32 من طرف الفنان محسن النصار

» المسرحيات الفائزة بجائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي عربي
الأحد 30 يوليو 2017, 10:49 من طرف الفنان محسن النصار

» كلمة الأمين العام اسماعيل عبد الله في افتتاح الملتقى العلمي الأول لمنهاج المسرح المدرسي
السبت 20 مايو 2017, 23:10 من طرف الفنان محسن النصار

» أستاذة التمثيل بريجيت ماكرون تنتقل إلى خشبة مسرح أكبر
الجمعة 12 مايو 2017, 20:46 من طرف الفنان محسن النصار

» جلسات ثقافية بلا جمهور.. لماذا؟
السبت 06 مايو 2017, 22:16 من طرف الفنان محسن النصار

» الهيئة العربية للمسرح تعلن مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار النسخة العاشرة2017
الجمعة 21 أبريل 2017, 03:13 من طرف الفنان محسن النصار

» الهيئة العربية للمسرح تعلن شروط مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للطفل لسن 12 إلى 18 للعام 2017
الجمعة 21 أبريل 2017, 03:08 من طرف الفنان محسن النصار

» الإعلان عن الفائزين في الدورة 24 من جائزة العويس للإبداع
الخميس 13 أبريل 2017, 22:15 من طرف الفنان محسن النصار

مكتبة الصور


أغسطس 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 


تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

قم بحفض و مشاطرة الرابط المسرح الجاد رمز تفتخر به الأنسانية على موقع حفض الصفحات

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتدى مجلة الفنون المسرحية على موقع حفض الصفحات

مجلة الفنون المسرحية
مجلة الفنون المسرحيةتمثل القيم الجمالية والفكرية والفلسفية والثقافية والأجتماعية في المجتمع الأنسانيوتعتمد المسرج الجاد اساس لها وتقوم فكرة المسرح الجاد على أيجاد المضمون والشكل أو الرؤية؛ لكي تقدم بأفكار متقدمة من النواحي الجمالية والفلسفية والفكرية والثقافية والأجتماعية وتأكيدها في المسرحية ، وكلمة جاد مرتبطة بالجدية والحداثة التي تخاطب مختلف التيارات الفكرية والفلسفية والسياسية والعقائدية. بدأ المسرح كشكل طقسي في المجتمع البدائي ، وقام الإنسان الذي انبهر بمحيطه بترجمة الطقس إلى أسطورة ، ولتكون الصورة هي مقدمة للفكرة التي ولفت آلية الحراك العفوي ، ثم الانتقال بهذا الحراك إلى محاولة التحكم به عبر أداء طقوس دينية أو فنية كالرقص في المناسبات والأعياد, وولادة حركات تمثيلية أداها الإنسان للخروج عن مألوفه .. وأفكار التقطهاوطورها فيما بعد الإغريق وأسسوا مسرحهم التراجيدي ، ومنذ ذلك الحين والمسرح يشكل عنصرا فنيا أساسيا في المجتمع ، ويرصد جوانب مختلفة من الحياة الأنسانية ، ومع كل مرحلة نجد أن المسرح يواكب تغيراتها وفق رؤى جدية غير تقليدية ، و تبعا للشرط ( الزمكاني ) شهد هذا الفن قدرة كبيرة على التجدد من المسرح التراجيدي الكلاسيكي الى الرومانسي والى كلاسك حديث إلى الواقعي والطبيعي والرمزي والسريالي واللامعقول ومسرح الغضب ، والسياسي وفي كل مرحلة من مراحل تطور المسرح تحمل بدون شك بعدا جديا وتجريبياً تتمثل إشكاليات تلك المرحلة وتعبر عن ظروفها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية , المسرح الجاد يؤكد قدرة المسرح على أستيعاب التجارب السابقة وإعادة صياغتها ، نحو الحداثة والخروج من العلبة الإيطالية إلى الفضاء المفتوح ، وتناول عناصر العرض المسرحي التي وضعها ستانسلافسكي ( التكامل والتوازن بين الكاتب والمخرج والممثل والجمهور) بطرق جديدة وبما أن أهم سمة في المسرح الجاد هي المعاصرة نحو التحولات المعرفية والتي هدمت كثيرا من الحواجز و كانت مقدمة لولادة الأفكار المعرفية الكونية ، فأثبت المسرح الجاد وجوده ليواكب الحداثة بكل مكوناتها ، و أثبت وجوده في العالم كله ، خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، حمل شرف ولادة مسرح اللامعقول على يد يوجين يونسكو وصموئيل بيكت وفرناندوا أرابال .. هو مسرح الكل بامتياز أوربي – عربي – أمريكي.. الكل ساهم ويساهم في تطويره ووضع خصائصه .. و يمتاز المسرح التجريبي بتجاوزه لكل ما هو مألوف وسائد ومتوارث و الإيتان التجريبي إمكانية تجاوز الخطوط الحمراء البنوية والشكلية من خلال ( جسد ، فضاء ، سينوغرافيا ، أدوات ) .. ومنها : - تفكيك النص و إلغاء سلطته ، أي إخضاع النص الأدبي للتجريب ، والتخلص من الفكرة ليقدم نفسه يحمل هم التجديد والتصدي لقضايا معاصرة ويوحد النظرة إليها عبر رؤيا متقدمة ،أو على الأقل رؤيا يمكننا من خلالها فهم ما يجري حولنا عبر صيغ جمالية وفنيةوفلسفية ، لكنها في جوهرها تمثل جزءا من مكاشفة يتصدى لها المسرح كفن أزلي باقٍ مادام الإنسان موجودا . السينوغرافيا والفضاء المسرحي ويتأتى دور التعبير الجسدي في توصيل الحالة الفنية وكأن الحركة هي اللغة التي يضاف إليها الإشارات والأيحاءات والعلامات والأدوات المتاحة لمحاكاة المتفرج .. أسئلة مطروحة أمام المسرح الجاد : تقف أمام المسرح الجاد كثير من الأسئلة ، ويحاول المسرحيون تجاوزها عبر المختبر المسرحي ، ومن هذه الأسئلة : لماذا لا تكون اطروحات العرض أكثر منطقية عبر توظيف عناصر العرض وفق توليفة متكاملة للغة والحركة والإشارة والعلامة ؟ لماذا لا يستفيد من التراث الشعبي ؟ ماذا عن الغموض ؟ - لماذا القسرية في إقصاء الخاص لصالح العام ؟ وهل يمكن أن ينجح ذلك ؟ - ماذا عن اللغة ؟ وهل هي عائق أمام انتشاره العالمي ؟ يبقى المسرح الجاد تجريب لضرورة من ضرورات الحياة بمجملها ، والمسرح يطرح أسئلة كبيرة وهذه إحدى مهامه الأساسية ، ويعكس إلى حد كبير الهواجس التي تعتري باطن الإنسان قبل ظاهره ، ورغم الأسئلة المطروحة وجديتها ، تجد المسرحية أفكارا وفلسفة للنص ،وبالتالي خلق فضاء أوسع للأداء عبر صيغ جمالية مؤثرة ذات دلالة معبرة .. كما توظف الإضاءة والحركة والموسيقى والرقص على حساب النص , المخرج هو المحور في العرض , الممثل هو أداة في تشكيل العرض الحركي . .
تصويت

أفق دراما اللامعقول في مسرحية الكراسي لأوجين يونسكو / أبو إسماعيل أعبو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

30102012

مُساهمة 

أفق دراما اللامعقول في مسرحية الكراسي لأوجين يونسكو / أبو إسماعيل أعبو




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أفق كتابة دراما اللامعقول، كما استنه الكاتب الروماني “أوجين يونسكو” في مسرحياته، ينم عن تجربة حداثية رائدة، تطلع إليها بعد منتصف القرن العشرين، مع كتاب آخرين أمثال: “سمويل بكيت”، و”جان جوني”، و”هارولد بنتر”، و”آرثر أداموف”، و”إدوار ألبي”، بغية التعبير بطلاقة وحرية عن رؤيته الشخصية، إزاء عالم افتقد معناه، بعدما انهدت فيه قناعات اجتماعية وروحية، إثر انعطافات تاريخية عرفتها أوربا آنئذ(1).
إنه أفق تطويع الكتابة، لتفي بالكشف عن كوامن الذات وسبر أغوارها، والتعبير عنها تلقائيا تبعا لمنحيين متوازيين:
أولهما، منحى تنزاح في سياقه عن طقسية النمذجة المسرحية المتواترة، وتعتبر وجودها سابقا عن ماهيتها.
ثانيهما، منحى تعدل بصدده عن المعرفة المنطقية المتواضع عليها عقليا، وتعتبر المعرفة الجمالية الحدسية التلقائية الصادرة عن اللاوعي هي المعرفة الحقة.
وهما منحيان نحتهما دراما اللامعقول لدى “أوجين يونسكو” مرتسمة لنفسها لغة شاعرية متنافرة، ذات صور معقدة تتداعى وتتطور كالأحلام، تطورا يجعل معناها لا يتبلور عن “طريق التسلسل المنطقي، أو مطابقة الواقع أو الإقناع الفكري، بل عن طريق الهزة الدرامية، والومضات الشاعرية(2)“.
بهذا وذاك مثلت اللحظة الإبداعية، التي تبعث على الكتابة لديه، باعتبارها لحظة الاستجابة لنداء الذات، وسبر أغوار اللاوعي، وغياهب عالمه الداخلي العميق، الذي لا يرضخ إلى أي ضابط خارجي، يقول “يونسكو”:
” أوان الإبداع عندي، هو الوقت الذي أكون فيه تحت تأثير تفاعل ذهني غريب، وتفكير مشوش مضطرب، في هذه اللحظات أجد كل شيء، ولا أدري من أين يتأتى ذلك… وما أن تسجل هذه الأشياء، ويطرأ عليها نوع من التلاحم بحكم تجميعها، وترابط بعضها بالبعض الآخر، حينئذ أستطيع أن أفكر كما يقولون طبقا للقواعد الوضعية، والآلية العقلية الظاهرية(3)“.
ويقول كذلك: “المسرح بالنسبة لي، يعني الكشف على خشبة المسرح عن العالم الداخلي، ولذلك فأنا أجد مادتي المسرحية في أحلامي.. وفي رغباتي الغامضة.. وتناقضاتي الباطنية الدفينة.. وفي مخاوفي(4)“.
بهذا يصبح مسرحه فرجة على دراما باطنية، خرجت طليقة من نطاق الكمون إلى نطاق التحقق المشهدي.
إن الانكفاء إلى الذات، والانفلات من أسر النمذجي، ونشدان المعرفة الحدسية التلقائية بلغة شاعرية… بعثت عليها مؤثرات عدة، نرى من المفيد استحضار أهمها.
أولا، الحركة السريالية:التي اهتدت – بفضل رائدها “أندريه بروتون” – بهدي العالم النفسي “سيغموند فرويد” مستوحية منه مفهوم اللاوعي، الذي تدبرته تدبرا نوعيا، معتبرة إياه عمدة إبداعها وأساس وجوده الفعلي، الذي تكفل مجلاه لغة تلقائية توسم بوسم لغة الانكفاء إلى الذات،واختراق شرنقة لا وعيها، واستجلاء ما يعتمل داخلها ، وترجمته في استرسالها غير المنطقي على شكل هذيانات، أوأحلام، أوهلوسات، أو رغبات مكبوتة.
لذا كان دأب هاته الحركة التعالي على الواقع المعيش، وإحلال الأنا الداخلية محل الأنا الخارجية، مما يجعل الكتابة تتشكل على إيقاع تداعيات لغوية، صادرة عن ذات تختزل وجودها بل الوجود الإنساني بأكمله في لغة إبداعية متنافرة، يجود بها اللاوعي صدفة دون أي ضابط منطقي أو عقلي.
إن هاته الحركة، كان لها تأثيرها الجلي في كتابات “يونسكو”، التي أصبحت هي الأخرى ترتوي من معين اللاوعي، وتنشد المتنافر، نابذة كل ما هو متجانس ومتسق في الكتابة والوجود الإنساني.
ثانيا،الحركة الفنية التعبيرية: التي استوحى منها يونسكو بعض مستنداته المسرحية، خاصة بعدما شهد مسرحية رائدها السويسري “جان أوجست استراندبورغ” المعنونة بالحلم، فهاته استهوته بتحريرها الطاقات الباطنية، ومزاوجتها في اشتغالها اللغوي بين عالمي اللاوعي و الوعي، أو بالأحرى بين عالمي الحلم و الواقع، وإحلال محل التسلسل العلي تداعيات الحلم، فلم يعد مبرر وجود لمقولة وحدة الزمان والمكان الأرسطية، والقوانين الاجتماعية، والمقاييس المنطقية(5).
ولعل المؤثرات التعبيرية التي استأثرت باهتمام “يونسكو”، تتمثل في أخذه بتحطيم مبدإ العلية أو السببية، ومبدإ الثالث المرفوع، ومبدإ عدم التناقض، أو مبدأ الجمع بين النقيضينن، ومبدإ الهوية أو الذاتية، بل تحطيمه اللغة ذاتها، إذ يجرد عباراتها من المعنى، ويتلاعب بألفاظها التي لا يستسيغها المنطق، وهي تتداعى عن طريق اللاوعي.
ثالثا، التجربة البراندللية: نسبة إلى الكاتب المسرحي الإيطالي “لويجي براندللو”،الذي استهوت مسرحياته ”يونسكو” فشاهد منها بنهم:”نشوة الفرح”، “لكل حقيقته”، “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”ـ و”هنري الرابع”، و”هذا المساء سنرتجل”… حين عرضت بفرنسا، فحفزته على البحث عن اللاوعي والتعمق السيكولوجي، الذي يجعل اللغة تشتغل تبعا لوظيفة تعبيرية انفعالية، مجردة عن الرغبة التواصلية، مما يجعل التعبير عن انعزال الوعي الفردي يبلغ مداه لديه، كما حفزته على الأخذ بفكرة نسبية الحقيقة، أو إرجاع عالم الحقائق إلى النفس الإنسانية، بحيث يبدو للمشاهد أن الهم الأوكد، هو إقناع الجمهور بعدم وجود حقيقة مطلقة، وما يتبدى حقيقة ما هو إلا راسب نفسي(6).
رابعا، الحركة الرمزية:التي تستند إلى فكرتين أساسيتين:
أولاهما، الفكرة الأفلاطونية التي تنكر حقائق الأشياء المحسوسة، ولا ترى فيها غير صور ترمز إلى الحقائق المثالية البعيدة عن العالم الواقعي.
ثانيتهما،الفكرة الفرويدية التي مؤداها أن عقلنا الواعي مجاله محدود، ذلك أن خلفه مجال أوسع هو مجال اللاوعي، الذي يحدد غالبا سلوكاتنا وتصرفاتنا، ويرجع إليه الفضل في الخلق والإبداع الفني(7).
فهاتان الفكرتان تمثلهما “يونسكو” في كتاباته المسرحية،فاستخف بكل ما هو واقعي، واعتبر الحقيقة الواقعية حقيقة تضليلية زائفة، لا ترقى إلى مستوى حقيقة اللاوعي، التي تمت بصلة مثلى إلى استحواذاتنا النفسية الأساسية، وتتنزل بالتالي منزلة الحقيقة الحقة التي تهجس بها الإبداعات، بعدما تتلقاها عبر اللاوعي أحلاما وخيالات.
إن مفاعيل الحركة الرمزية وآثار سابقاتها في ما كتبه “يونسكو”، سنكون على بينة منها، ونحن نقارب مسرحية الكراسي، التي سنختزلها في ما يلي حتى نسعف القارئ على تتبع خطواتنا الإجرائية، ونحن نستدل من خلالها، على أفق كتابة دراما اللامعقول.
مدار مسرحية الكراسي، زوجان عجوزان يعيشان في قلعة مهجورة، تحيط بها المياه من كل جانب، وهما يترقبان وصول مدعويين من شتى الشرائح الاجتماعية، قصد سماع فحوى رسالة عزم الزوج على تركها للخلف من الأجيال، باعتبارها تعكس خلاصة تجربة حياته، والمسلك السوي الذي ينبغي أن تسلكه الإنسانية إن شاءت بلوغ بر الأمان. وحتى يتم إبلاغ الرسالة استأجر الزوجان العجوزان خطيبا لينوب منابهما في إلقائها، وبعدما غصت خشبة المسرح بكراسي الشخصيات الوهمية، التي لا يشاهدها المشاهدون، بينما هم يشاهدون الزوجين، وهما يرحبان بمدعوين ويستحضران كراسي إضافية لآستضافة آخرين، إلى درجة أنها كانت تمنعهم من التحرك بيسر. بعد حين من الزمن اعتقد الزوجان أن رسالتهما ستبلغ لا محالة، فأقدما على الانتحار، إذ ألقى كل واحد منهما بنفسه من نافذة القصر طامحا إلى الاتحاد مع الآخر في الزمان السرمدي ما دام الاتحاد في المكان مستحيلا. عقب انتحارهما قرر الخطيب بعد تردد أن يلقي الرسالة-الوصية على مسامع الشخصيات غير المرئية، إلا أن حبسة كلامية حالت دون ذلك، وأمام عجزه اهتدى إلى فكرة كتابة الرسالة على سبورة سوداء، إلا أنه بمجرد ما شرع في الكتابة أدرك جهله بها، وعدم قدرته على التواصل مع الحاضرين، فآكتأب أمام انعدام رد فعلهم المأمول، وانسحب وهو يسير ببطء سير الشبح، وقبل مغادرة الشخصيات ألقى عليها تحية تصنعية، فتعالى لأول مرة ضجيجها، الذي بدأ بعد برهة يخفت تدريجيا، بينما الجمهور ينسحب، والستار يسدل شيئا فشيئا.
إذا ما ولجنا إلى صميم هاته المسرحية، ونحن نقصد استجلاء أفق دراما اللامعقول، ألفيناها تحتفي في استرسالها الدلالي بلغة تلقائية(أوتوماتية)، تصاغ وفقها الكيمياء الإبداعية تبعا لطاقة(Cool اللاوعي التي بفضلها تعرض عما يمت بصلة إلى المنطقي ، وتستبعد سلطة الوعي على التعابير، فلا يكون أثناء كتابتها انتباه، إلا إلى دفق الكلمات الصادرة عن اللاوعي، دون أي التزام بنمذجة مسرحية معينة.
إن التلقائية هنا، إذ تسعى إلى تطويع اللغة لتفي بالتعبير عن كوامن النفس، تزدوج ليكون منها:
أولا تلقائية الدوال التي ترجح على المداليل، فترتسم لنفسها تأليفات دلالية، تعدل عن التواترات التركيبية اللغوية، بذا تأتي وفق مايلي:
أ. التركيبة اللغوية الدالة غير السياقية، أي التي تستقل بدلالتها، فلا ترتبط بالسابق أو اللاحق من الدلالات النصية الأخرى، وحتى نستدل على هاته التركيبة نستحضر “الحوار” التالي:
” الزوج: كلا طبعا.. كنت دائما أقول ذلك.. المنطق المحض لا وجود له.. إنه ضرب من الخيال.
الزوجة: طبعا هذا النوع من السعداء موجود، في الصباح يتناولون إفطارهم على متن طائرة، وفي الظهر يتناولون غذاءهم في قطار، وفي المساء يتناولون عشاءهم على ظهر باخرة، وينامون ليلهم في سيارة شحن تسير، وتسير، وتسير…
الزوج: تتحدثون عن الكرامة الإنسانية؟ فلنحاول على الأقل أن ننقذ ماء الوجه، الكرامة ليست إلا ظهرها.
الزوجة: لا تخوضوا في الظلمات (تقهقه، أثناء الحديث).
الزوج: مواطنوكم يطلبون مني ذلك”(9).
فمقول كل شخصية استبطان ذاتي، يستقل هنا بذاته عن مقول الشخصية الأخرى، لذا فالشخصيتان لا تتداوران الحوار كما يعتقد، وإنما تستبطنان الذات، وتتحاوران معها، فتكون الواحدة منهما السائلة والمجيبة في الآن ذاته.
ب. التركيبة اللغوية غير الدالة وغير السياقية، أي التي هي مجرد كثلة من الدوال المتراصة، التي أبعدت عن سياقها وأفرغت من مداليلها، فافتقدت بالتالي وجودها اللغوي:
” الزوجة: نعم، نعم،نعم…أوه كلا.
الزوج: نعم، نعم، نعم أبدا.
الزوجة:صحيح؟
الزوج: لا!؟
الزوجة: لقد قلتها بنفسك.” ص: 357.
فكل شخصية هنا تنحاز إلى شأنها، منصتة إلى أهوائها ونزواتها وأحلامها، ومكتفية باستطلاعنا على تأرجح ردودها – إزاء ما يصدر عن ذاتها اللاواعية – بين الإيجاب والسلب.
ج.التركيبة اللغوية المخلخلة، التي هي عبارة عن أصوات متضامة دون تشكيل كلمات يستقيم إدراجها دالة ضمن سياق لغوي:
” الخطيب: ممم، ممم، جوو، جي، ممم، ممم، ممم، ممم.” ص: 426.
فالأصوات المتلفظ بها هنا، تأتلف في أذن السامع دون الدلالة على معنى ما، أو انفعال معين، أو رغبة محددة، فهي أصوات تستهدف هد البنيان اللغوي، وتعطيل إجرائية التواصل اللغوي.
إن هاته التركيبة وسابقتيها، إذ تدمر البنية الحوارية، وتفكك البنية اللغوية، تكشف رغبة “يونسكو” في تدمير اللغة المنطقية، ذلك أنها تجسد بقواعدها سلطة عقلية، تجعل الإنسان لا يأنس من نفسه قدرة استبطان بواطن النفس، واستيحاء ما تزخر به ذاكرة اللاوعي، والتعبير عن الحقيقة الحقة بطلاقة ، دون لف أودوران.
ثانيا تلقائية المداليل التي بخلاف التلقائية السابقة، ترجح على الدوال التي تجعلها تحت طوعها وفق نظام ترميزي، يجعل الأدلة اللغوية الناشئة عنهما لا تستساغ منطقيا.
إن الدوال هنا تتعالق تبعا لعلاقات إسنادية متنافرة، تجعلها غير متلائمة مع المداليل التي دعتها غير آبهة بمدى تلاؤمها. وحتى نستدل على هذا النظام نستحضر المتوالية الحوارية التالية، حيث المسند: الطفل بمواصفاته، يسند إلى المسند إليه: الرجل العجوز إسنادا تترتب عنه بتعبير “جان كوهين”، منافرة دلالية(10):
الزوجة: لعلك حطمت عزيمتك؟
الزوج: (يبكي فجأة) لقد حطمتها؟ لقد هشمتها؟ آه!، أين أنت يا ماما، ماما، أين أنت يا ماما؟ هيّ… هيّ…أنا يتيم (يتوجع) … يتيم … يتيم…
الزوجة: لكني معك، فما الذي تخشاه؟
الزوج: كلا يا سيميراميس، يا قطتي، أنت لست ماما … يتيم، يتي،…من ذا الذي سيدافع عني ويحميني؟
………….
الزوجة: هون عليك.
الزوج: (منتحبا، وفمه مفتوح على سعته كالطفل الرضيع) أنا يتيم …يتي…
الزوجة: (تسعى لتسليته وملاطفته) يتيمي، حبيبي، إنك تمزق قلبي، يا يتيمي…(تهدهد الزوج الذي عاود الجلوس على ركبتيها). ص: 342، 343.
فهذا الحوار الذي يتم فيه تبئير الاهتمام على المداليل المستبطنة، التي تدل عليها الشخصيات بدوالها، يجمع في الذات الواحدة بين نقيضين: (الطفل والعجوز)، مستغنيا عن مبدإ الهوية الثابتة، أو مبدإ عدم التناقض الأرسطي، ذلك أنه حوار لم يكتبه “يونسكو” من وحي مرجعية منطقية، ومعقولة، وإنما كتبه من وحي ذاكرة اللاوعي، وما يتداعى فيها من مداليل لغوية غير منطقية.
إن هذا الحوار يرتهن بلغة لا تتواصل بها الشخصيتان فحسب، بل تعيشان فيها باعتبارها عالما خاصا بهما، ينقطع كليا عن العالم الواقعي المعيش، مما يجعل لغتهما علة وجود عالمهما.
إنه عالم لغوي شبيه بعالم التنويم المغنطيسي حيث “الوسائط” تعيش الألفاظ، وكأنها عالمها الواقعي المعيش، تقول العجوز “إننا إذ نتكلم نعثر على الأفكار، وعلى الألفاظ، ثم نعثر على أنفسنا في ألفاظنا الخاصة، كما نعثر على المدينة والحديقة… إننا نعثر من جديد على كل شيء، فإذا بك لست يتيما” ص: 349.
فالعالم هنا قيد اللغة التي لا ترتبط إلا بالشخصيتين، اللتين تعيشان ما تدل عليه، ولعل هذا ما يعبر عنه “يونسكو” بقوله: “إن العجوزين تنوولا في فيلج لا يخترق من الذكريات المهلوسة، فما يقولانه لا يتبين إلا لهما، فهو غير مفهوم لأي كان(11)”.
وللدلالة على استقلالية هذا العالم المشروط بذاته، أقامه يونسكو على انتظام دائري ارتجاعي، فالمداليل تتداعى في سياق الحوار على شاكلة دوائر، لا تلبث بعد حين أن تنغلق الدائرة منها بلازمة: “اشربي الشاي يا سميراميس” رغم عدم وجود شاي، فتنفتح من جديد دائرة أخرى وهكذا دواليك.
ولئن كانت مسرحية الكراسي التي نحن بصددها، تؤشر على بناء حلقي ارتجاعي متعدد الدوائر، فإن مسرحيات أخرى “ليونسكو”، تؤشر على بناء يرتهن بدائرة ارتجاعية واحدة، تكون فيها نقطة الختم هي نقطة البدء، كما نجد في مسرحيات: “المغنية الصلعاء”، والدرس” و”هذيان ثناء”.
ولعل ما يستثير الانتباه إزاء البناء الحلقي في مسرحيات “يونسكو”، كونه يحيل ضمنيا على دلالة نصية، فما يدل عليه في مسرحية “الكراسي” التي نفتحصها، هو كون الوجود الإنساني ليس سوى عودة سرمدية، وعبثية بدون بديل يرجى، فهو مجرد دوران في حلقات مفرغة، ولعل هذا الدوران يستشف بجلاء من خلال الحوار التالي الذي تداوراه الزوجان:
” الزوجة: احك لي الحكاية، ها، الحكاية.
الزوج: مرة أخرى؟… ألم تشبعي؟ تريدين حكاية، واصلنا الضحك؟ … إنك تطلبين مني دائما نفس الحكاية! … إذن فقد واصلنا الضحك ولكن هذا شيء رتيب ممل… منذ خمسة وسبعين عاما، أي منذ زواجنا، وأنت في كل ليلة، في كل ليلة بلا استثناء، تطلبين مني أن أقلد لك نفس الأشخاص، ونفس الشهور… شيء واحد لا يتغير، لماذا لا نتحدث في شيء آخر؟
الزوجة: حبيبي، أنا شخصيا لا أمل ذلك… فهي قصة حياتك، وأنا شغوف بمعرفتها…
الزوج: ولكنك تعرفينها عن ظهر قلب.
الزوجة: ولكنني في كل مرة أشعر، وكأنني نسيت كل شيء بمجرد الاستماع إليها، وأجد ذهني خاليا متجددا كل مساء … ولكن الحقيقة، يا حبيبي أنني أفعل ذلك عامدة متعمدة، فأنا أتناول المسهلات… فأعود كما كنت من جديد، خالية الذهن، من أجلك أنت يا حبيبي، كل مساء، هيا ابدأ الحكاية أرجوك…
الزوج: كما تشائين.
الزوجة:هيا، ابدأ قصتك، فهي أيضا قصتي، فكل ما يخصك يخصني! إذن، فقد واصلنا الضحك… الضحك.” ص: 337، 338.
فالحكاية هنا حكي روتيني لحياة روتينية ذات دورة ارتجاعية حلقية، تجتر خلالها الشخصيات في هذيان ذاتي عيشا تعيشه باللغة وفي اللغة، فتؤول دوما النهاية الحكائية إلى بدايتها، ألم تقل المرأة العجوز أنها تنسى كل مجريات الحكاية حال سماعها، وتجد ذهنها خاليا متجددا، ونفسها راغبة من جديد في سماعها؟
فبهاته الحكاية، يعكس المضمون دلالة متطابقة مع الدلالة التي يعكسها الشكل، فما يدلان عليه هو عبثية الحياة، وعدم جدواها، فهي دوران في حلقة مفرغة، لا يجد فيها الإنسان ضالته، وإنما يجد ضلاله.
إن هاته الدلالة انجذب إليها “يونسكو”، وسعى إلى استنفار شخصياته حتى تضطلع بدور تشخيصها ومسرحتها، لذا نرى صلتها بالواقع تجاوزية، واستعلائية، ذلك أن لا غاية لها في الوجود سوى ذاتها، أو استيحاء تداعياتها اللاواعية العميقة، والتعبير عنها بلغة تلقائية(12).
يتبين إذن أن البناء الذي انبنت عليه المسرحية يدل كذلك على تلاحم الشكل المسرحي، ومضمونه تلاحما يجعل الواحد منهما يدل على الآخر.
ولئن ظلت الدائرة الأخيرة منفتحة، ولم تغلق كسابقاتها بلازمة: “اشربي الشاي يا سميراميس”، فما ذلك إلا ليستكين الجمهور إلى انغلاق من نوع آخر، إنه صمت الكون وغياب الإنسانية، أو بتعبير “يونسكو”: “الفراغ الأنطولوجي”(13).
فهذا الفراغ يعتبر اللحظة القطعية الأخيرة للمسرحية، والناظم الذي تنتظم وفقه كينونتها، لذا لا غرابة إن كانت الشخصيات، تنظر شطر عالم اللاوعي، وتقطع صلتها بعالم الواقع، بينما هي توحي بهيمنته. فهذا الفراغ يتنزل منزلة “الطيمة” المهيمنة، التي ترضخ اعتمال المسرحية إلى وسائط دالة عليه.
ولعل هاته الوسائط تتبين في ما يلي:
أولا هد الحوار:
إن هذا الحوار الذي يعتبر مقوما جوهريا للمسرحية، ينقطع عن الحوار الواقعي المتداول، عبر المراهنة على منطق التداعي التلقائي الحر، الذي يستتيح المجال للهلوسات، والنزوات والأحلام، مما يجعل الذات تستقل بوجودها الذاتي، فتبدو منعدمة الوجود الواقعي.
فالشخصية هنا إذ ترخي العنان لتداعياتها اللاواعية العميقة، لا تهد البنية اللغوية الحوارية فحسب، بل تجعل كذلك الحوار مع غيرها مستوهما، فمن نعتقد أنها تتحاور معه غير مرئي، أو هي لا تعتد به بتاتا، أو تتماهى معه، إلى درجة أن صوتها وصوته يصبح صوتا واحدا، هو صوتها الذي تصوت به، يقول الرجل العجوز قولا رومانسيا للمرأة الجميلة التي توهم حضورها مع المدعويين الوهميين:
” كان يريد أن يغيظني، كاد الغضب أن يستولي علي، (يفتح الباب- متوهما دخول سيدة-) أوه! سيدتي هذه أنت! لا أصدق عيني، ولكن بلى… لم أكن أتوقع ذلك بتاتا… حقا إنها … أوه! سيدتي، سيدتي، لقد كنت أفكر فيك طوال حياتي، طوال حياتي، طوال حياتي يا سيدتي، كنا نسميك: “الجميلة”… وهذا زوجك… لقد أخبروني، هذا أكيد… إنك لم تتغيري مطلقا… أوه! بلى، بلى. لقد طال أنفك كثيرا، وانتفخ… لم ألاحظ ذلك منذ أول وهلة، لكنني ألاحظ ذلك الآن… لقد طال بشكل فظيع… آه! يا للخسارة، لم يحدث ذلك عمدا كيف حدث ذّلك؟ … رويدا، رويدا… عفوا يا سيدي وصديقي العزيز، اسمح لي أن أدعوك بصديقي العزيز لقد عرفت زوجتك قبلك… كانت هي نفسها وبأنف يختلف كل الاختلاف… أهنئك يا سيدي، يبدو أنكما متحابان. ” ص: 366، 367.
إن الناظر عن كثب في هذا الحوار، وفي حوارات مناظرة، يستشف بيسر الملمح الدلالي ل”طيمة” “الفراغ الأنطولوجي”، من خلال انتفاء البعد التواصلي مع الآخر، وانقطاع صلة المقول بالمرجع الواقعي المادي، بل إقصاء الشخصيات المتحاورة من المعيش اليومي، والعلاقات الاجتماعية التي يشترطها الوجود الإنساني، بهذا وذاك يصبح وجودها رديفا رمزيا لعدم وجودها.
ذلك أن مقول الزوج بأكمله عبارة عن “مونولوج ذاتي” صادر عن ذاكرة اللاوعي، فالمرأة الجميلة التي تستوطن لاوعيه، هي أميرة أحلامه التي حلم بها وما فتئ يحلم بها، وهو ينزلها منزلة المعشوقة الحقيقية، التي لا تضاهيها منزلة زوجته، رغم أنه أمضى مع هاته الزوجة أزيد من سبعة عقود، يقول لتلك الجميلة: “إنني في غاية التأثر… أنت كما أنت، رغم كل شيء… لقد كنت أحبك قبل مائة عام… لقد طرأ عليك تغيير كبير… لم يطرأ عليك أي تغيير.. كنت أحبك… أنا أحبك الآن”. ص: 369. 370.
تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المنحى الحواري الذي يومئ إلى “الفراغ الأنطولوجي”، تفطن إليه “تشيكوف”، الذي دأب على نحوه، معتقدا بأن كلا منا لا يرى إلا نفسه، فكان يدع الشخصية تسبر غور ذاتها، وهي تتظاهر بتداور الحوار مع شخصية أخرى، بينما هي لا تستجيب إلا لذاتها(14).
ثانيا، تفكيك اللغة:
يستكنه “الفراغ الأنطولوجي” بجلاء من خلال الاشتغال العفوي للغة، التي تشترط وجودها بذاتها، مستعيضة عن واقعية الواقع، بواقعية الذات التي تتلفظ بها تلقائيا، دون أن تعقلها، أو ترضخ دلالتها إلى تتال منطقي، أو تناسق تركيبي، كما يستشف من الحوار التالي:
” الزوج: لقد دعوتكم … لكي أشرح لكم … الفرد والشخص، هما شخص واحد.
الزوجة: لايبدو طبيعيا على سجيته. إنه مدين لنا بمبالغ طائلة.
الزوج: أنا لست أنا، أنا شخص آخر. أنا هذا داخل ذاك.
الزوجة: أبنائي لا يثق أحدكم بأخيه.
الزوج: أفيق أحيانا وسط الصمت المطبق. إنها الكرة الأرضية. لا ينقصها أي شيء ومع ذلك لا بد من الحذر. فمن الممكن أن تختفي فجأة. فهناك فتحات وشقوق يمكن أن تهرب منها”. ص: 397.
إن هذا الاشتغال يفضي بالكتابة، إلى صياغة عالم لغوي، لا تلبث كل شخصية أن تعيشه، باعتباره عالمها الحقيقي.
إنه عالم ناشئ لغويا عن تنافرات دلالية، أو عما ينعته “مارتن اسلين” في معرض مقاربته لدراما اللامعقول، بنعت الصور الشعرية (15) ، فهاته تتداعى في مسرحية الكراسي منزاحة بالدلالة اللغوية عن المعتاد والمألوف الدلالي، وحتى نكون على بينة من انزياحاتها ، نستحضر أجلاها شاعرية، وأشدها استثارة لأسئلة المتلقي:
أ.الرجل المسن الذي يزدوج، فيصير مرة طفلا يتدلل على أمه، ومرة أخرى مراهقا يتغزل بطريقة رومانسية بأميرة أحلامه ، ويعيش ما يكشف عنه عالمه الباطني النفسي.
ب.المرأة المسنة التي تزدوج بدورها، إلى شخصيتي أم زوجها، والمراهقة، وترخي العنان لتداعياتها اللاواعية التي تحياها.
ج. الشخصيتان المرئيتان اللتان تتلفظان بملفوظات استبطانية، وتوحيان بملفوظات أخرى لشخصيات غير مرئية تتحاور معها.
د. الخطيب الأبكم والأصم، الذي يأنس من نفسه قدرة على إلقاء الخطبة، رغم عاهته المزدوجة.
إن هاته الصور، ترتبت عن رغبة في التحرر من سطوة العقل الواعي، والامتياح من معين ذاكرة اللاوعي، لذا فهي تتقاطع حول” طيمة” “الفراغ الأنطولوجي” تقاطعا يستشف بجلاء، إذ تعمد إلى هد مقولتي الزمان والمكان، والمبادئ الضرورية التي يفكر وفقها العقل السليم، وهي مبادئ: الهوية، وعدم التناقض، والثالث المرفوع، والسببية، أي تلك المبادئ التي تضفي معقولية على العالم.

بهذا وذاك تكون اللغة دالة على “الفراغ الأنطولوجي”، الذي جعله “يونسكو” اللحظة القطعية الأخيرة في المسرحية، إذ حل اللغة على لسان الخطيب،وأفرغها من دلالتها، وأسدل ستار الصمت الرهيب، على خشبة المسرح.

ثالثا، تفكيك الشخصية:
اشتغال اللغة وفق ما حددناه يضعنا إزاء شخصيات غير درامية، متعددة الأبعاد بخلاف الشخصيات الكلاسيكية، الدرامية الأحادية البعد .
إنها شخصيات تقصر ذاتها على مقولها التلقائي، الذي ينكفئ من حيث محتواه إلى ذاكرة اللاوعي التي تستوحي منها عالمها اللغوي، الذي تعيش حقيقته النفسية، متملصة من المبادئ العقلية، والقوانين الوضعية والطبيعية، والتشريعات القيمية.
لهذا قد ننعتها بنعت الشخصيات المؤسلبة، التي شأنها كشأن الدلائل اللغوية، إذ لا تعتبر إلا في السياق اللغوي الواردة فيه،إنها موجودات تتوهم العيش في سياقات لغوية، مترتبة عن لغتها التلقائية اللاواعية، التي لا تلبث أن تستحيل إلى صفيحة، تعكسها وهي تنعتق من إسار العقل والواقع المعيش، لتختط لنفسها مسالك حرية فوضوية مطلقة الزمان والمكان.

وهي حرية تبديها شخصيات يزدوج فيها الشيء وضده، أو شخصيات هي امتداد لأخرى ونفي لها، أوكما قال أحد النقاد: “شخصيات لا شخصية لها، تعيش في عالم من المتناقضات، وتحيطها هالة من التخبط والحيرة، فلا تجانس في تصرفاتها، ولا انسجام في حركاتها، وأقوالها”(16).

ذلك أن العقل الذي يأخذ بزمام تفكيرها، ويتحكم في منطقه تغيبه كليا أثناء الكلام، وتعتبره قيدا من القيود التي تحول دون بلوغ الحقيقة النفسية المثلى، التي تهجس بها تلقائيا، وهي تهيم في المتهافت بحثا عنها، فلا تملك سوى غمها وندمها، وإخفاقها وخواء حياتها.
على هذا النحو تدل الشخصيات على اصطباغها بصبغة “الفراغ الأنطولوجي”، فهي شخصيات متصدعة لا يشغل ذهنها أي شيء آخر عدا ذاتها، أو عالمها اللغوي الصدفي، الذي تستقل به، ولا تجرؤ على قول الواقعي المعيش.
رابعا، الاستخفاف بالقيم:
يستتبع ما سبق استحصاله، القول بانقطاع الشخصيات عن كل ما يمت بصلة إلى القيم واشتراطاتها الاجتماعية، فما دامت هاته الشخصيات تنخرط في علاقة متوترة بالواقع، وترفض الإذعان لإكراهاته، وضوابطه مولية ظهرها للعقل باعتباره ضابطا للتفكير، وللغة التداولية باعتبارها قناة التواصل، فإنها لا تجد أدنى حرج في اللامبالاة بمنظومة القيم، التي تفعل فعلها في تشكيل الشخصية الإنسانية، وتحديد سلوكاتها، وترشيد تفكيرها ، كما لا تجد أدنى حرج في الاستباحة لنفسها، ما تعتبره الأعراف الاجتماعية محرما، لذا لا غرابة إن استخفت إحدى شخصيات مسرحية الكراسي، ببر أمها، ولم تطعها بالمعروف، والإحسان إليها، وتوفية حقوقها،وهي تحتضر، وتلتمس عونا، يقول الزوج:
” تركت أمي وحدها تموت في حفرة، وكانت تنادي وتئن أنينا ضعيفا، وهي تقول: ولدي الصغير ولدي الحبيب، لا تدعني أموت وحدي… ابق بجواري. فعمري لم يبق منه الكثير، فأجبتها قائلا: لا عليك يا أماه، فسأعود بعد قليل… كنت على عجلة من أمري… وذهبت إلى المرقص أرقص. وعدت بعد قليل لأجدها قد فارقت الحياة، ودفنت في أعماق الأرض… فجعلت أنبش الأرض، وبحثت عنها … ولم أتمكن من العثور عليها… أنا أعرف، أعرف أن الأبناء يهجرون أمهاتهم، ويقتلون آباءهم…”. ص: 377.
كما لا غرابة إن افترت زوجته على الحضور قولا مخالفا لقوله السابق، تقول: “… فقد كان يحب والديه حبا جما، لم يتخل عنهما لحظة واحدة. كان يعتني بأمرهما ويرعاهما… ولقد ماتا بين ذراعيه، وهما يقولان له: لقد كنت ابنا بارا. جازاك الله عنا كل خير.” ص: 378.
ولعل انحلال القيم لدى الشخصيات في مسرحية الكراسي، يتبين بجلاء إذ تستسيغ لنفسها، حرية البوح الداعر برغباتها المكبوتة، مما يضعنا إزاء البوح برغبة في الخيانة الزوجية التي، طالما توارت خلف لاوعي المرأة العجوز، فأقدمت تلقائيا في لحظة هذيان على إخراجها من نطاق الكمون إلى نطاق التحقق اللغوي، إذ أقامت علاقة جنسية مع أحد المدعويين، معبرة عن إحدى رغباتها المكنونة، وعن حقيقتها التي لا تشوبها شائبة ما دامت صادرة عن لاوعيها.
نظير هاته الرغبة عبر عنها الرجل العجوز كاشفا زيف حبه لزوجته، وحقيقة العلاقة التي تربطه بها، فهي علاقة ما كان لها لتدوم أزيد من سبعين سنة، لو لم تقم على النفاق، أي على حقيقة واقعية تضليلية، فهذا الزوج ظل يتغاضى مثل زوجته في صمت عن الحقيقة النفسية، إلى أن وجد الفرصة المواتية للتعبير عنها، وهي فرصة تلتها مباشرة المغامرة الانتحارية، التي أقدم عليها مع زوجته، مما يدل على استحالة تعايشهما بعد انكشاف زيف الحقيقة الواقعية، أمام حق حقيقة اللاوعي، التي جعل منها “يونسكو” رسالة سعى في جل مسرحياته إلى إبلاغها.
ولئن أصيب الخطيب – المرئي الوحيد من المدعوين – بالحبسة، وهو يتهيأ لإبلاغها، فما ذلك إلا لأنه لم يتمكن من تخطي الحقيقة الواقعية التضليلية بعوارضها المحسوسة، إلى الحقيقة الأسمى، التي تتحرر من كوابح العقل، والمنطق، وجاهزية الواقع.
إن فقدان القيم، يجعل الشخصيات المسرحية تتحرك دون أي ضابط سلوكي، أو وجداني، أو أخلاقي، أو اجتماعي، أي تتحرك محبطة وهي تعيش، دون هداية وآمال تأملها، بهذا تشهد سلسلة من الإخفاقات، فلا تجد مسوغا لوجودها، آنئذ لا ترى أمامها إلا تيبس الحياة والموت، الذي كثيرا ما أقدمت عليه شخصيات دراما اللامعقول.
إن “الفراغ الأنطولوجي” تستجلى حقيقته بجلاء، إذ تنقطع فيه الشخصيات عن المنظومة القيمية، وتصبح تخبط في الوجود خبط عشواء، فلا ترى سوى العماء، الذي يحجب عن بصرها وبصيرتها حقيقة وجودها.
ونحن ننهي قراءتنا التفحصية لمسرحية “الكراسي”، يتبادر إلى ذهننا السؤال التالي: ما هي الجمالية التي تراهن عليها في اعتمالها الدرامي العبثي؟
إن هاته المسرحية تتشيد وفق جمالية طلائعية، طالما راهن عليها “يونسكو” مع رواد دراما اللامعقول، في منأى عن كل جمالية نمذجية متواترة.
فهي جمالية تبتدع عالمها التخييلي اعتمادا على لغة مطلقة الحرية، ترخي فيها الشخصية لهواها العنان، من غير أن تتقيد مسبقا بأي موضوع محدد، بل من غير استيحاء مفهوم المحاكاة، أو الانحباك وفق القواعد الأرسطية الثلاث (وحدات الزمان والمكان والحدث)، التي انحبكت بها المسرحيات الكلاسيكية، أو الانتظام وفق تسلسل منطقي “كرونولوجي” في توليفة مسرحية منسقة.
إنها جمالية تقوم على مبدإ استلهمته من السريالية، وهو مبدأ “الصدفة الموضوعية”، التي تجعل النص المسرحي يتشكل على إيقاع تهلسات، ورؤى، وتداعيات تتوارد بشكل آلي طليق (17).
ولا غرو أن تكون المسرحية بهاته الجمالية أقدر من المسرحية الأرسطية على استثارة الأسئلة، وتشغيل الحدس النقدي، ذلك أنها بخلافها لا تستهدف بتاتا تقديم تلك الأجوبة، التي يستكين إليها المتفرج الكسول، مكتفيا بالحكم عليها بأنها جيدة أو رديئة، مشوقة أو مملة(18).

ولعل تلك القدرة، هي التي جعلتها تنال في مختلف بلدان العالم تصفيقات الجمهور، وتحظى بحظوة نقدية خاصة لدى النقاد، وتجد امتداداتها في شتى التجارب المسرحية العالمية.
هوامش

(1). يختزل “مارتن اسلين” الدواعي التي دعت إلى انهداد تلك القناعات، في ما يلي: ” تضاؤل الإيمان الديني الذي ابتدأ مع عصر التنوير وأدى بنيتشه إلى الحديث عن تلاشي الإيمان بالله… وانهيار الإيمان الليبرالي بحتمية التقدم الاجتماعي، وذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وخيبة الأمل في ثورة اجتماعية راديكالية تنبأ بها ماركس، وذلك بعد أن حول “ستالين” الاتحاد السوفياتي إلى استبدادية جماعية، والردة إلى البربرية وذبح الجماهير والمجازر البشرية خلال حكم “هتلر” القصير لأوربا أثناء الحرب العالمية الثانية، وإلى ما تلا هذه الحرب من انتشار للخواء الروحي في مجتمعات غرب أوربا، والولايات المتحدة التي هي في ظاهرها مزدهرة وفي بحبوبة من العيش. ومما لا شك فيه أن عالم منتصف القرن العشرين، قد فقد معناه في نظر كثير من الناس الذين يتمتعون بالذكاء ورهافة الإحساس، وأنه بكل بساطة لم يعد له معنى، لقد انحل ما كان ، يعتبر يقينا من قبل. وانهارت أسس الأمل والتفاؤل الراسخة، وفجأة وجد الإنسان نفسه أمام عالم مخيف وغير منطقي، أي باختصار “لامعقول”".

انظر، كتابه: دراما اللامعقول، ترجمة: صدقي عبد الله حطاب، سلسلة من المسرح العالمي، الطبعة الثانية: يناير،2009 ، العدد: السابع، الكويت، ص:7.

(2). تسعديت أيت حمودي، أثر الرمزية في مسرح توفيق الحكيم، سلسلة النقد الأدبي، دار الحداثة، 1986، ص:40.

(3). راجع مقدمة حمادة إبراهيم، التي خص بها ترجمته لبعض أعمال “أوجين يونسكو”: ( المغنية الصلعاء، الدرس، “جاك” أو الامتثال، المستقبل في البيض، الكراسي)، سلسلة “من المسرح العالمي”، ع:37، ص: 26.

(4). رشاد رشدي، نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن، ط:2، 1975، دار العودة، بيروت، ص: 272.

(5). قصد استكناه هاته الملاحظات، اعتمدنا على النص الفرنسي، لمسرحية: “الحلم” المتضمنة ضمن العدد: 465، من مجلة:L’avant scène”“، الصادرة، سنة: 1975.

(6). “ميشال ليور”: فن الدراما، ترجمة: أحمد بهجت، منشورات عويدات، ص: 145.

(7). تسعديت أيت حمودي، ص:22.

(Cool. ذلك أن الإبداع الأدبي يرتهن لدى “أوجين يونسكو” بالتلقائية المتجردة من أي تفكير مسبق، انظر:

Martin Esslin: Le mécanisme théatrale et le principe d’accélération, (in) les critiques de notre temps et Ionesco, Ed, Garnier Frère,Paris, 1973, P:150.

(9).“أوجين يونسكو“، مسرحية: الكراسي، ترجمة وتقديم: حمادة إبراهيم، مراجعة: د. سيد عطية أبو النجا، سلسلة من المسرح العالمي، العدد: 37، الكويت، ص:396، 397.

ملحوظة: حتى نتفادى تطويل الهوامش بالإحالات، سنكتفي لاحقا بذكر صفحة المقتطف، من مسرحية الكراسي.

(10). جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي، ومحمد العمري، دار توبقال، 1986، الدار البيضاء، المغرب، انظر الفصل الثالث، ص: 101…

Eugéne Ionesco, Notes et contre – notes, Ed, Gallimard, 1966,Paris, P:182. .(11)

(12). يقول ” أوجين يونسكو”: “يبدو لي العالم أحيانا معينة وكأنه مفرغ من الدلالات، فالواقع غير واقعي، إن هذا الإحساس باللاواقعية، والبحث عن واقع جوهري منسي، وغير مسمى – حيث لا أحس بكياني خارجه- ما أود التعبير عنه عبر شخصياتي، التي تهيم في المتهافت، دون أن تملك شيئا، سوى غمها وندمها، وإخفاقها وخواء حياتها”.

انظر: Notes et contre-notes, p:266.

(13). يقول “أوجين يونسكو”، مخاطبا أحد المخرجين: “بما أن “طيمة” (مسرحية) “الكراسي” هي “الفراغ الأنطولوجي” أو الغياب، أظن أن دليل هذا الغياب هو الذي ينبغي أن يكون اللحظة القطعية الأخيرة في المسرحية” انظر المرجع السابق لأوجين يونسكو:

Notes et contre – notes, P: 266.

(14). صبري حافظ، اللغة واللامعقول في مسرح أو نيسكو، مجلة الآداب، السنة: 1963، ع: 10، ص: 26.

(15). مارتن اسلين، المرجع السابق: ص:5.

(16). تسعديت أيت حمودي، ص: 285.

(17). رشيد بنحدو، جمالية البين- البين في الرواية العربية، منشورات مؤسسة نادي الكتاب بالمغرب، مطبعة الكتاب، فاس، 2011، ص:362.

(18). هامش: “ليونارد كابل برونكو”: مسرح الطليعة – المسرح التجريبي في فرنسا، ترجمة يوسف اسكندر، مراجعة، د. أنور لوقا، مطابع دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967، ص: 326.


المسرح
دوت كوم


avatar
الفنان محسن النصار
مدير هيئة التحرير

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 3071
تكريم وشكر وتقدير : 5151
تاريخ الميلاد : 20/06/1965
تاريخ التسجيل : 12/10/2010
العمر : 52
الموقع الموقع : mohsenalnassar.blgspot.com

http://theaterarts.boardconception.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى