منتدى مجلة الفنون المسرحية
مرحبا بكم في منتدى مجلة الفنون المسرحية : نحو مسرح جديد ومتجدد
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» كلمة الأمين العام اسماعيل عبد الله في افتتاح الملتقى العلمي الأول لمنهاج المسرح المدرسي
السبت 20 مايو 2017, 23:10 من طرف الفنان محسن النصار

» أستاذة التمثيل بريجيت ماكرون تنتقل إلى خشبة مسرح أكبر
الجمعة 12 مايو 2017, 20:46 من طرف الفنان محسن النصار

» جلسات ثقافية بلا جمهور.. لماذا؟
السبت 06 مايو 2017, 22:16 من طرف الفنان محسن النصار

» الهيئة العربية للمسرح تعلن مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار النسخة العاشرة2017
الجمعة 21 أبريل 2017, 03:13 من طرف الفنان محسن النصار

» الهيئة العربية للمسرح تعلن شروط مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للطفل لسن 12 إلى 18 للعام 2017
الجمعة 21 أبريل 2017, 03:08 من طرف الفنان محسن النصار

» الإعلان عن الفائزين في الدورة 24 من جائزة العويس للإبداع
الخميس 13 أبريل 2017, 22:15 من طرف الفنان محسن النصار

» إضاءة على تكنولوجيا المسرح / تقنيات نظام الإضاءة المسرحية / وجهة نظر / م. ضياء عمايري
الثلاثاء 11 أبريل 2017, 11:57 من طرف Deiaa Amayrie

» إعلان واستمارة المشاركة في الدورة العاشرة لمهرجان المسرح العربي، التي ستنظم في تونس خلال الفترة من 10 إلى 16يناير 2018
الثلاثاء 21 مارس 2017, 11:47 من طرف الفنان محسن النصار

» تحميل كتاب: المسرح الهولندي المعاصر
الثلاثاء 21 فبراير 2017, 21:42 من طرف الفنان محسن النصار

مكتبة الصور


يونيو 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 


تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

قم بحفض و مشاطرة الرابط المسرح الجاد رمز تفتخر به الأنسانية على موقع حفض الصفحات

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتدى مجلة الفنون المسرحية على موقع حفض الصفحات

مجلة الفنون المسرحية
مجلة الفنون المسرحيةتمثل القيم الجمالية والفكرية والفلسفية والثقافية والأجتماعية في المجتمع الأنسانيوتعتمد المسرج الجاد اساس لها وتقوم فكرة المسرح الجاد على أيجاد المضمون والشكل أو الرؤية؛ لكي تقدم بأفكار متقدمة من النواحي الجمالية والفلسفية والفكرية والثقافية والأجتماعية وتأكيدها في المسرحية ، وكلمة جاد مرتبطة بالجدية والحداثة التي تخاطب مختلف التيارات الفكرية والفلسفية والسياسية والعقائدية. بدأ المسرح كشكل طقسي في المجتمع البدائي ، وقام الإنسان الذي انبهر بمحيطه بترجمة الطقس إلى أسطورة ، ولتكون الصورة هي مقدمة للفكرة التي ولفت آلية الحراك العفوي ، ثم الانتقال بهذا الحراك إلى محاولة التحكم به عبر أداء طقوس دينية أو فنية كالرقص في المناسبات والأعياد, وولادة حركات تمثيلية أداها الإنسان للخروج عن مألوفه .. وأفكار التقطهاوطورها فيما بعد الإغريق وأسسوا مسرحهم التراجيدي ، ومنذ ذلك الحين والمسرح يشكل عنصرا فنيا أساسيا في المجتمع ، ويرصد جوانب مختلفة من الحياة الأنسانية ، ومع كل مرحلة نجد أن المسرح يواكب تغيراتها وفق رؤى جدية غير تقليدية ، و تبعا للشرط ( الزمكاني ) شهد هذا الفن قدرة كبيرة على التجدد من المسرح التراجيدي الكلاسيكي الى الرومانسي والى كلاسك حديث إلى الواقعي والطبيعي والرمزي والسريالي واللامعقول ومسرح الغضب ، والسياسي وفي كل مرحلة من مراحل تطور المسرح تحمل بدون شك بعدا جديا وتجريبياً تتمثل إشكاليات تلك المرحلة وتعبر عن ظروفها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية , المسرح الجاد يؤكد قدرة المسرح على أستيعاب التجارب السابقة وإعادة صياغتها ، نحو الحداثة والخروج من العلبة الإيطالية إلى الفضاء المفتوح ، وتناول عناصر العرض المسرحي التي وضعها ستانسلافسكي ( التكامل والتوازن بين الكاتب والمخرج والممثل والجمهور) بطرق جديدة وبما أن أهم سمة في المسرح الجاد هي المعاصرة نحو التحولات المعرفية والتي هدمت كثيرا من الحواجز و كانت مقدمة لولادة الأفكار المعرفية الكونية ، فأثبت المسرح الجاد وجوده ليواكب الحداثة بكل مكوناتها ، و أثبت وجوده في العالم كله ، خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، حمل شرف ولادة مسرح اللامعقول على يد يوجين يونسكو وصموئيل بيكت وفرناندوا أرابال .. هو مسرح الكل بامتياز أوربي – عربي – أمريكي.. الكل ساهم ويساهم في تطويره ووضع خصائصه .. و يمتاز المسرح التجريبي بتجاوزه لكل ما هو مألوف وسائد ومتوارث و الإيتان التجريبي إمكانية تجاوز الخطوط الحمراء البنوية والشكلية من خلال ( جسد ، فضاء ، سينوغرافيا ، أدوات ) .. ومنها : - تفكيك النص و إلغاء سلطته ، أي إخضاع النص الأدبي للتجريب ، والتخلص من الفكرة ليقدم نفسه يحمل هم التجديد والتصدي لقضايا معاصرة ويوحد النظرة إليها عبر رؤيا متقدمة ،أو على الأقل رؤيا يمكننا من خلالها فهم ما يجري حولنا عبر صيغ جمالية وفنيةوفلسفية ، لكنها في جوهرها تمثل جزءا من مكاشفة يتصدى لها المسرح كفن أزلي باقٍ مادام الإنسان موجودا . السينوغرافيا والفضاء المسرحي ويتأتى دور التعبير الجسدي في توصيل الحالة الفنية وكأن الحركة هي اللغة التي يضاف إليها الإشارات والأيحاءات والعلامات والأدوات المتاحة لمحاكاة المتفرج .. أسئلة مطروحة أمام المسرح الجاد : تقف أمام المسرح الجاد كثير من الأسئلة ، ويحاول المسرحيون تجاوزها عبر المختبر المسرحي ، ومن هذه الأسئلة : لماذا لا تكون اطروحات العرض أكثر منطقية عبر توظيف عناصر العرض وفق توليفة متكاملة للغة والحركة والإشارة والعلامة ؟ لماذا لا يستفيد من التراث الشعبي ؟ ماذا عن الغموض ؟ - لماذا القسرية في إقصاء الخاص لصالح العام ؟ وهل يمكن أن ينجح ذلك ؟ - ماذا عن اللغة ؟ وهل هي عائق أمام انتشاره العالمي ؟ يبقى المسرح الجاد تجريب لضرورة من ضرورات الحياة بمجملها ، والمسرح يطرح أسئلة كبيرة وهذه إحدى مهامه الأساسية ، ويعكس إلى حد كبير الهواجس التي تعتري باطن الإنسان قبل ظاهره ، ورغم الأسئلة المطروحة وجديتها ، تجد المسرحية أفكارا وفلسفة للنص ،وبالتالي خلق فضاء أوسع للأداء عبر صيغ جمالية مؤثرة ذات دلالة معبرة .. كما توظف الإضاءة والحركة والموسيقى والرقص على حساب النص , المخرج هو المحور في العرض , الممثل هو أداة في تشكيل العرض الحركي . .
تصويت

مسرح المونودراما / منصور عمايرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

02092012

مُساهمة 

مسرح المونودراما / منصور عمايرة




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
1- المونودراما:
مما لا شك فيه، أن الإنسان الفرد، هو الذي يصنع الحياة من خلال الفكر والرؤى التي تتبلور لديه، وتنبت تلك الرؤى بعدا اجتماعيا من أجل خدمة الإنسان من خلال الفرد، ربما هذا يقودني إلى القول أن النظرة إلى مسرح المونودراما من زاوية الفردية في التعاطي الركحي، من خلال فرد واحد وهو الذي ينقل في الوقت ذاته رؤية فرد من خلال نص مكتوب، وهنا نتحدث عن وجود المؤلف الفرد، لينتقل هذا النص من مادته اللغوية الممتلئ بالإشارات والرموز، والمحمل بالأبعاد الدرامية للإنسان كفرد من خلال الجماعة. لم تعد النظرة إلى الفرد في العصر الحالي، بأنه يمثل طابعا رومانسيا في ظل التغييرات التي يشهدها العالم، وبوتيرة متسارعة جدا حتى وصلنا إلى التكنولوجيا والعالم الافتراضي، فيغدو العمل المونودرامي عملا جماعيا يعبر عن رؤية جماعية من خلال تجربة إنسانية فردية، لكنها تلتقي مع تجارب الآخرين، لتكون المونودراما ذات طابع رؤيوي جماعي، والغاية منها المجتمع أو تسليط الضوء على حركية ودينامكية المجتمع في جانب إنساني ما، لتعبر بالتالي عن وجودية الحياة، فالمونودراما تعتبر معطى مسرحيا تتبلور فيه جماليات المسرح الجماعي الذي يتمثل في عدد من الممثلين.
إن المحرك الأساس للإنسان في المجتمع راهنيا، هو البعد النفسي الفردي، ولهذا يتشكل المجتمع من أبعاد سيكولوجية للأفراد، وهذا لا يعني أنها تتنافر ما بين فرد وآخر، ولكنها تلتقي معه في جزئية ما، فالتعبير عن تجربة فردية لم تعد فرديا في ظل التواصل التكنولوجي العالمي، والحضور الإعلامي الكبير الذي يشهده العالم في كل مكان، فأصبح التأثر والتأثير ظاهرة حياتية يعيشها الإنسان في كل أطراف الأرض. "كان المسرح بالنسبة للأغريق طقسا دينيا يكرس أفضل العقول النابهة في المجتمع لخدمته"1ومازال المسرح يخدم المجتمع. وخدمة المجتمع من خلال المسرح، تتبلور في مكونات المسرح الرئيسة، وهي النص المؤلف، الإخراج العرض، الممثل الفعل. وإذا ما كانت جزئية الترفيه والمتعة جزئية أساسية في المسرح، فإن " المسرح الجيد يتخطى مجرد الترفيه ... إذ إن فن المسرح يعتمد في جوهره على حصيلة المعرفة في شمولها العام ... على قدرة الإنسان على الاستكشاف والتعجب والتأمل "2 ولهذا سنجد أن المسرح لا يتوقف على البعد الجمالي فحسب كما يبين ذلك هوايتنج، بل إنه يتكون من بعيدن:الجمالي، والذهني." فالجمالي يعمل على سد حاجات الإنسان العاطفية وإشباع نهمه إلى كل ما هو جميل مثل الفنون الأخرى كالموسيقى والرسم والرقص، والذهني يتضمن التعبير عن نسبة هائلة من أعظم الأفكار التي تفتق عنها عقل الإنسان"3
وبما أن عقل الإنسان يتمثل في أبعاد "ابستمولوجية" معرفية لفهم الوجود في الحياة، ولفهم وجود الإنسان وتطلعاته وحركته الدينامكية عبر الزمن، ولهذا خلق الفنون وأوجدها سواء تلك التي تتمثل بالتعبير مثل الأدب، أو تلك التي تتمثل بالحركة، وتلك التي تتمثل بالتقمص والأداء والمحاكاة للأفعال، أو تلك التي تمثل الصورة بأشكالها المختلفة.
وكان المسرح " أبو الفنون " جميعها نتاج عقل الإنسان؛ نتيجة للتفكير والتأمل، وحالة الاستهجان والتعجب، التي كانت تواجهه في حياته، وهي بحالة تصاعدية تراكمية، نتيجة لجدلية حدثت ما بين عقل الإنسان والأشياء التي تحيط به.
ولهذا قد لا نبالغ إذا ما قلنا أن المونودراما، هي بنية الإنسان الفرد، العقل والعاطفة، ونتيجة لتفاعل العقول والعواطف، كان لا بد أن تصبح الدعوة للتشاركية، لتكون الحياة على أساس عادل من حق الجميع المشاركة بها، وهذا لا يعني أن المونودراما ذات بنية شوفانية، بقدر ما هي تجربة إنسانية فردية يشار إليها بالبنان، وبما أن الإنسان اجتماعي، سنرى أن معاناته أو أفكاره وأحاسية وشعوره يشاركه بها آخرون، فالمسرح كما يقول جان دوفينيو " هذا المكان الذي نلقي فيه أمام أنظار الجميع، ذلك الوجه الشاحب، لكائن منتزع من فوضى الحياة الغثة، بما فيها من ضياء وظلام، المسرح هو الأداة التي تبدع الإنسان، عندما تمثله وتجعل من الوجود خلقا مستمرا "4 فهذا الخلق المستمر يصنعه الإنسانن ومهما حاول أن يظهر دوفينيو البعد الجمعي في العمل المسرحي لأنه بالتالي ظاهرة اجتماعية، فهو لن ينكر الجزئية الفردية في إطار الجماعة والمجتمع، وهذا لا شك فيه بأن المسرح هو تجليات اجتماعية.
إن المسرح الذي يقوم على بنية الحوار ما بين الممثلين، وقبل ذلك في نص الكاتب وبعد ذلك في المتلقي، فالحوار موجود في المونودراما من خلال خلق هذا الحوار، وهذه طبيعة بشرية أن يتحدث الإنسان لنفسه، وقبل ولوج العمل كان العمل فكرة، أو صورة ذهنية، والممثل الوحداني في المونودراما يتحدث مع الأشياء الأخرى التي تتمثل في الفضاء المسرحي، والتي تشاركه الحياة، فكل ما يحيط بالإنسان هو حقيقة مشارك له بحياته، إذن فهو يحاوره بمختلف أساليب الحوار المتدرجة في أحيان كثيرة، والمتقلبة والمتغيرة حسب الظروف والرؤية العقلية والمقدرة بالتحكم العاطفي، ولا يستطيع الاستغناء عن هذه الأشياء، ولو كان بإمكانه لم تكن هناك سينوغرافيا مسرحية أو ديكورية على الخشبة، لكننا سنجد أن الأشياء هي التي تشارك بصنع الحدث، فالمرآة مثلا لاتكون ديكورا من دون جدوى، أو تشاركية في العمل المسرحي، فالمرآة قد تبين حالة الفخر عند الإنسان، أو حالة الغضب من الدمامة والأخلاق، أو حالة الزهو، أو حالة التغير، وهذا ما نجده في الحياة اليومية للإنسان المتغير.
وبالنظر إلى الممثل من خلال الحضور الجسدي الفاعل، نجد أن الممثل يملك جسدا واحدا يستطيع أن ينقل لنا التعابير المختلفة من خلاله، وهذا يؤكد أن كل الممثلين على خشبة المسرح سينطلقون من فردية الممثل، فهذا الممثل " إنسان يعمل بجسده على مرأى من المتفرجين واهبا جسده إياهم "5 فالجسد في هذه الحالة يمثل دورا روحيا يتلاقى مع الجمهور ومع ذات الممثل أيضا.
والممثل يبدو هو المحور الأساسي في العرض المسرحي، هو الذي يجعل المتلقي مشاركا في العرض المسرحي، والممثل في العرض الجماعي والعرض المونودرامي من حيث الصفة العامة هو هو، مع خصوصية أن من واجب الممثل في المونودراما، أن لا يخرج عن إطار أنه يمثل على خشبة المسرح مع ممثلين آخرين، يبدو أنه يستحضرهم ذاتيا، وبمشاركة فعالة مع الجمهور؛ فتحويل الجمهور من سلبي إلى إيجابي مسؤولية تقع على الممثل " فالممثل حين ينجح في أداء مهمته يحول الجمهور من مشاهد سلبي إلى مشارك إيجابي في إنشاء دلالة الحدث المسرحي، الأداء الجيد يجعل المشاهد في اشتباك جدلي مع العرض وجوديا ومعرفيا، فيبدو الحاجز ما بين الممثل والجمهور قد تلاشى..6
إن الحديث عن المونودراما كعمل درامي، لم يلق الكثير من الدراسات والإشارت إليه، وأن الكثير من المنظرين في الدراما تجاهله تماما ولم يتعرض إليه، في الآونة الأخيرة بات هناك اهتمام من خلال احتفالية دولية تهتم بمونودراما النص والعرض، وهذا ما يشهده العالم العربي، وهناك جهود دولية مثل جمعية الممثل الواحد العالمية، والمهرجانات العالمية والعربية في بعض الدول العربية، ومسابقات في المونودراما بالنص والعرض، وهذا يؤكد على حضورية المونودراما في الوقت الراهن، وتبين الدكتورة نهاد صليحة بأن المونودراما "لم تظهر بشكلها المكتمل إلا إبان الحركة الرومانسية منذ منتصف القرن الثامن عشر، وتتعرض نهاد صليحة للتطور التاريخي للمونودراما- علما بأنها لم تكن معروفة بصيغتها التي تم التعارف عليها فيما بعد- من اليونان وحتى المسرح الحديث وما يدور الآن. *
أتفق مبدئيا على تعريف المونودراما " Monodrama " على أنها المسرحيّة التي يقوم بها ممثل واحد، يقف على خشبة المسرح ويقوم بكل العرض المسرحي.
ربما نؤكد أن الجدل في المونودراما موجود، ولكنه ليس بالمنظور المتعارف عليه في المسرحيّة الجماعية، فهناك الجدل الذاتي وهو محاولة الركون إلى تفسير ما، وكذلك الجدل من خلال استعراض الممثل يكون ملتحما مع الجمهور، وهو جدل بشكل أو بآخر؛ لأن العرض المسرحي يتوجه إلى الجمهور.

2- الزمن في المونودراما :
يبدو أنه من الصعب القبض على الزمن، لكن الإنسان يحس بوجودية الزمن وبتأثيره الفاعل على الحياة الإنسانية بشكل عام، والكثير من علماء الفلسفة والنفس، تطرقوا لمفهومية الزمن. إن غاستون باشلار في كتابه جدلية الزمن، حاول أن يؤسس فيه ما أسماه "علم نفـس الزمان" إذ يبين أن " الفلسفة النفسية لم تعد سوى فلسفة زمنية... ومفهوم الزمن النفسي عند برجسون، هو معطى مباشر من معطيات الوجدان، ويقترن بالحالات الشعورية والنفسية، ويقترن بالديمومة، والتي تعني أننا نميز الزمن كانسياب مستمر، فلا يتميز اختبار الزمن باللحظات المتتابعة، بل بشيء يدوم عبر التتابع والتغير.7
إن الإنسان يتعامل مع الزمن في ظل الحياة اليومية كخطية تسير باتجاه أفقي، في منتصفه نقطة الصفر، وتمثل الزمن الحاضر، وما قبلها يمثل الماضي والمستقبل يكون ما بعدها.8
ومن هنا يؤكد البعض أن الزمن لا يعدو عن شيئين: زمن فيزيائي خطي لا متناه، وله ما يطابقه عند الإنسان، وهو المدة المتغيرة، ويقيسها الفرد حسب إحساسه، وهواه، وزمن حدثي وهو زمن الأحداث التي تغطي حياة الإنسان كمتتالية من الأحداث.9
الكاتب الفرنسي " آلان روب غرييه " وفي حدييثه عن الزمن الروائي، يبين أن الزمن يقاس بالمدة الزمنية التي تستغرقها قراءة الرواية، وبعد الانتهاء منها لا يعد زمنا، وكأن الرواية التي تغطي أحداثها الزمنية سنين طويلة، لا يزيد زمنها على ساعة أو ساعتين. وإذا تحولت إلى فيلم لا تزيد مشاهدتها على أكثر من هذا الزمن. من خلال تصور آلان روب غرييه نجد أنـه لا يوجـد إلا الزمن الحاضر، أما اللاحاضر، فسواء أكان قبل أو بعد ليس له وجود. 10
إن حضور الممثل بجسده على خشبة المسرح يمثل حضور الزمن من خلال الجسد، فحضور الجسد هو الحالة الراهنية التي تمثل الزمن، نجد أن وجودنا يتمثل من خلال جسد الممثل وبالتالي هو جسدنا نحن المتفرجين، وليس فقط الوجود بل هو "ساحة تصورات لكل ما يؤثر فينا هنا وهناك، ومجال رهانات سياسية وثقافية واجتماهعية ودينية وميثية "11
إن الحديث عن الزمن يقودنا إلى الحديث عن الزمن النفسي، وهو الذي يبدو أكثر أهمية وخاصة في العرض المسرحي المونودرامي- وليس العرض المسرحي الجماعي استثناء- لأن كل شيء يدور الآن، مهما عاد بنا النص المسرحي والعرض المسرحي إلى الوراء، لكن ما يجسد على خشبة المسرح من ركح يمثل البعد الزمني الحاضر، وربما أكثر ما يبين عن حضور الزمن الحاضر الزمن النفسي الذي نلمحه من خلال التمثيل والأداء، وهذا ما ينعكس على الممثلين، لتصوير حادثة ما وقعت، لكننا نحس الآن بالزمن الحاضر، ويتلبس هذا الزمن البعد النفسي للشخصيات المسرحيّة، إن العامل النفسي، لارتباطه الشديد بين الحالات الشعورية للذات وواقعها المعيش، وهناك نظرة تربط بين موضوع الزمن والتكنيك الزماني في الأدب الحديث، وأهمية الزمن في النظريات النفسية، فقد استعير مجرى الشعور بلوازمه الفنية من التداعي النفسي إلى المونولوج الداخلي، ومنطق الصور.12
وبناء على هذا، نجد أن الزمن النفسي أكثر أنماط الزمن ارتباطا بالحالات الشعورية، ونتيجة للتغيرات في كل مناحي الحياة فأدى إلى انسحاب الذات إلى ذاتها، وشعرت بالعجز، فتداعت أحداث الماضي، واستشراف المستقبل على الذات في اللحظة الآنية.13 ولهذا نلمح في العرض المونودرامي، وقبل العرض النص المونودرامي، أن الزمن النفسي يكاد يسيطر على جملة العمل برمته، وما العودة إلى الماضي من خلال المناجاة، والاستذكار، ما هو إلا دليل واضح على تشظي الإنسان في الحاضر، فالمونودراما تعتمد على المناجاة الذاتية. المناجـاة النفسية، في العرض المسرحي المونودرامي تناجي الذات نفسهـا، بحيث تقـوم ياسترجاع الأحداث الماضية التي عرفتها الشخصية ومرت بها، ويعرف تكنيك مناجاة النفس بأنه تكنيك تقديم المحتوى الذهني والعمليات الذهنية للشخصية مباشرة من الشخصية إلى القارئ بدون حضور المؤلف مع افتراض وجود الجمهور افتراضا خاصا.14 إن ما قاله روبرت همفري عن الرواية يكاد ينطبق تماما على المونودراما نصا وعرضا. فالزمن يتمثل في المونودراما " بالزمن النفسي ... بالتركيز على الماضي والحلم "15
ويبدو أن الفرد "الإنسان" هو صنيعة مجتمعه، وبالتالي فالتعبير في المونودراما يبين عن صراع مهما كان هذا الصراع خفيا، ولابد من الإشارة إلى أن صراع الإنسان مع نفسه في العرض المسرحي المونودرامي هو صراعي تمثيلي، وليس مجرد أي حالة عادية من حالات التعبير اليومي، الممثل المسرحي ينقل لنا حالة إنسانية تملك تصورات عن الحياة الإنسانة، وهي تعبير عن الاندهاش والفجيعة، وهي تعبير عن التأمل للوجود من خلال نقل معاناة معينة، ليتخذ الإنسان شكل المقاومة أحيانا، وربما في المونودراما تبدو المقاومة استسلامية لكنها أيضا مقاومة تعبر عن الرفض، حيث أن " التناولات المعاصرة لمسرحية هاملت قد اتخذت طرائق متعددة، وذهبت في التفسير لأحداثها مذاهب شتى، يتجه بعضها إلى تطبيق علم النفس الفردي على شخصية هاملت، ويتجه بعضها الآخر إلى دراسة البيئة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تربى فيها هاملت، فاتجاه التحليل النفسي يقدم تفسيرا فرديا لشخصية البطل في علاقاته بالشخصيات الأخرى، بصرف النظر عن عوامل التأثير والتأثر باﻟﻤﺠتمع الذي يعيش فيه، وهناك الاتجاه الثاني الذي يبدأ من مسلمة معاصرة، هي أن الفرد صنيعة مجتمعه، وأن انتصاراته وهزائمه هي نتيجة حتمية لإملاءات هذا اﻟﻤﺠتمع...16
وبما أن الزمن الذي يشكل حياة الإنسان متعدد دائما، نتوقف عند تقسيم الزمن المسرحي إلى عدة أزمان :
1- زمن النص: وهو زمن متخيل، صورة ذهنية.
2- زمن العرض: وهو الزمن الفيزيائي، زمن يسير باتجاه واحد إلى الأمام، أي متصاعد منذ البداية.
3- زمن الحدث في العرض المسرحي: وهو بدا مختلفا في المسرح المعاصر، حيث نجد من خلال حضور الآن والحاضر يبرز الزمن الماضي بشقيه الفيزيائي والسيكولوجي.
4- الزمن النفسي: وهو زمن الشخصية "الممثل" زمن ذاتي للفرد، ويرتبط بالجماعة .
يبدو أن الزمن النفسي في المسرح المونودرامي، هو الذي الذي سيبدو أكثر وضوحا وحضورا في العرض المونودرامي، وذلك بسبب حضور الممثل الواحد، والذي لابد له أن يلج الماضي في العرض المسرحي، وربما يدور العرض المونودرامي كله في الذكريات أو التداعي الحر أحيانا، ويتشكل هذا الزمن بأشكال تعبيرية تظهر على الممثل مثل:
أ- المونولوج: الحديث النفسي " الذاتي " والذي يدور ما بين الإنسان وذاته، وقد يبدو بصورة عاطفية غير قابلة للعقلنة، فتبدو الشخصية المونودرامية منقادة تماما لعاطفتها التي تسيطر عليها الآن.
ب- المناجاة: تتميز مناجاة النفس في المسرح بطبيعة مزدوجة، حديث مباشر إلى الجمهور وحديث نفسي يعبر عن الصدق مع الذات..17، وهذا الصدق مع الذات يمتزج من صور عقلية وعاطفية، وهنا نستشعر الإحساس بالاغتراب وفقدان الماضي، ومن خلال ذلك تبدو الشخصية المونودرامية متلبسة بالضعف، وكأننا بها تميل إلى العقلنة.
ج- استحضار الغياب: إن بنية الغياب التي تطلبها الشخصية في المونودراما حالة نفسية تعود به إلى الشيء المفقود، والذي تأمل أن يعود، أو تتمنى أن تتواجد هذه الحالة الآن، وكأننا نلمح صوت العقل بصراع مع العاطفة المتأملة بحدوث ما تريده الشخصية الآن، وهذا ما يجعل الشخصية في حالة من الحزن والاكتئاب، وإن بدت صورة الأمل التي تتشبث بها الشخصية ليبدو مؤملا بحدث استرجاعي، ولكن المفقود لا يعود.
د- الإحساس الآني بالماضي وما يحدث الآن: وربما هذه الحالة تنطبق بشيء ما مع حالة استحضار الغياب، ولكن الأمر يبدو فيه فارق وإن بدا قليلا، وكأن الشخصية هنا تركن إلى الحاضر بشيء من التعقل، والزمن المنصرم بات مقطوعا.
هـ- الجانبية: إن الحديث الجانبي أو الهمس المسموع أو المتهدج، هو ما يدور بين الممثل المونودرامي وذاته المستبطنة، وكأن الشخصية المونودرامية تطلب استعطاف الآخرين، وهنا يبدو الجمهور يسمع هذا الصوت الخافت وعلى علم به، ولا تحس الشخصية بالخجل بقدر ما تكون الجانبية نوعا من العتاب أو اللوم وتقريع النفس، وهي نوع من طلب النصيحة كما تبدو.
وربما ينطبق على هذه الحالات الشعورية من خلال الزمن النفسي عندما نصف مسرحية بيكيت " شريط كراب الأخير" بالقول: إن شريط كراب هو عبارة عن حالة إنسانية تعبر عن الماضي من خلال ذكريات رجل عجوز، إن هذا العجوز يريد أن يقول شيئا، وهو في أشد حالات الاكتئاب الإنساني التي يمر بها كل واحد في لحظات معينة، عندما يدرك بأن القطار قد فاته، القطار في شريط كراب غادر ولم يبق إلا الذكريات، ووقف كراب على خشبة المسرح صامتا، ومن دون ذاك الشريط سيعطى تفسيرا واحدا، بأن كراب أراد أن يقول شيئا ولكنه لم يستطع، ووجود الشريط أفصح عن شيء يريد أن يقوله للآخر.

3- التطبيق:
" مسرحية شريط كراب الأخير صموئيل بيكيت "
إن مسرحية شريط تسجيل كراب الأخير، هي مونودراما تمثل البعد السيكولوجي لكراب، تمثلت المسرحيّة بالمناجاة والمونولوج والجانبية، سواء أكان في سرد الشريط لحالة كراب الفيزيائية، وتوقفه عندها الآن كبعد نفسي يعيش في اللحظة، أو كان من خلال حضور كراب في المسرحيّة حينما يتولى الحديث عن نفسه، وهو إعادة لتلك الحالة التسجيلية لماضي كراب المفقود.
ونستشعر ذاك البعد النفسي لكراب من خلال الجسد، إن بيكيت أعطانا وصفا دقيقا لكراب من خلال قوله " كراب ذو وجه أبيض، أنف أرجواني، شعر رمادي مشعث، غير حليق نظره قصير للغاية، لا يلبس نظارة، سمعه ثقيل، صوته مشدوخ، أداؤه مميز، سيره يقتضي جهدا كبيرا "18 إن هذا الوصف الجسدي يشي بحالة من الضعف الرهيبة التي تظهر عن إنسان هدّه الزمن، وبات غير مرغوب به، من خلال فقدانه لمقومات حياتية لازمة لاستمرارية الحياة التبادلية والتشاركية مع الآخرين، فالسمع ثقيل وهذا يعطي دلالة أنه يعيش في وقت مضى، فكراب في نهاية الستين من العمر وتبدو حياته بدأت تسير منذ زمن بعيد، ونلمح سكونية كراب من خلال صوته المشدوخ والذي يفصح عن مكوثه وحيدا، فهو يبدو كمن لا يحادث الآخرين، إذن هو في عزلة، والعزلة ربما وقد تشاركت بالكبر قد جعلت صوته مشدوخا، ونظره بات ينحصر عن الرؤى، وهذه علامة تدل على كبره، كل هذه العلامات تعطينا نبرة إقصاء لكراب، فهو المقصي من الآخر الذي بات بعيدا عنه، وغير قادر على استحضاره، فالتغير الزمني ارتسم على جسده الهرم، وهناك دلالة أخرى تبين عن اللامبالاة عندما يوصف بشعره المشعث، وهذه دلالة عالى اعتزال الآخرين أو ان الآخرين اعتزلوه.
لابد إذن وهذه الحالة لكراب أن نستشعر الحالة السكونية التي بات عليها الآن، فلا توجد لديه دوافع إغراء، ليكون فاعلا في هذا الوقت.
ثم نلاحظ عبثية وجوده مرة أخرى عندما يوصف " كراب رجل عجوز مرهق يرتدي بنطلونا أسود كالحا، قصيرا جدا عليه، وصدريته سوداء، بدون أكمام، بها أربعة جيوب واسعة، ساعة فضية ثقيلة وسلسلة، قميصه أبيض متسخ، مفتوح من الرقبة وبلا ياقة، ينتعل حذاء غريبا، أبيض قذرا، برقبة عالية، ضيقا جدا ومدببا..19 فهو علاوة على ضعفه يبدو إنسانا مهمِلا، ومهمَلا، فالمهمل الأولى تدل على أن الزمن لم يعد يأبه به، ومهمل الثانية تبين عن عدم الاهتمام من قبل الآخرين به، فهو بهذه الحالة يمثل بعدا سكونيا أقرب للموت من الحياة، ويتجلى هذا الإهمال بجانبيه من خلال قميصه المتسخ وبنطاله الأسود، والقميص يبدو بشكل مزري، وهو مفتوح من الأعلى ومن دون ياقة، وكذلك نلمح بكراب صفة القذارة، وهذا ما يؤكد حقيقة الاهمال من نفسه ومن الآخرين.
وتتمثل حالة السكون التي تبين عن اللامبالاة بقوله " يمر بأصابعه على إصبع الموز برفق يقشره يطوح القشرة داخل المكان المخصص للاوركسترا، يضع في فمه نهايه طرف إصبع الموز، ويبقى دون حراك، محملقا أمامه بالفراغ في النهاية تداهمه فكرة "20
إن مداهمة الفكرة له تجعله كمن صعق بكهرباء، فهي تبعث فيه الحركة واليقظة " يذهب باقصى سرعة إلى خلفية خشبة المسرح داخل الظلام، فيعود مرة ثانية إلى داخل بقعة الضوء وهو يحمل دفترا عتيقا "21
وفي النهاية تعود حالة السكون لتطغى على العرض المونودرامي في شريط كراب عندما يقول بيكيت " كراب دون حراك محملقا أمامه بينما شريط التسجيل مستمر في صمت " 22
إن حالة كراب الحالية تمثل لحظة ذهول مما يعيشه الآن، وهو يفقد ماهية الأشياء التي كانت تتعلق بالصحبة كحالة وجودية دينامكية، لتصل به الحالة الآن إلى حالة من الثبات والسكونية المطلقة.
فالجسد الساكن لكراب هو حالة نفسيه، وحركة الجسد الرتيبة من خلال اختفائه في الظلمة، ولا نسمع إلا قرع الكؤوس يعزز حالة السكون النفسي، ليمثل العرض الزمن النفسي الذي يعيشه كراب.
ونلمح دلالة الزمن من خلال قول بيكت واصفا لحجرة كراب وما يتخللها من أشياء " على المائدة جهاز تسجيل بميكرفون، وعدد من صناديق كرتون تحتوي على شرائط تسجيل... 23 من هذا الوصف نلمح الزمن الفيزيائي لكراب، إن شريط التسجيل والمسجل تدل على الزمن الماضي، والذي بات شيئا بعيدا عن الحياة وكأنه صورة ذهنية، وربما أكثر من ذلك عندما بات الزمن صورة ارشيفيه وثائقية تعبر عن حياة انقضت. ونلاحظ أن الزمن تمثل ببقعة ضوء قليلة تسقط على كراب، ولكن العالم الآخر من حوله خارج دائرة الضوء، وهي بالتالي خارج دائرة الزمن والحدث.
ومرة أخرى نلمح الزمن الماضي من خلال قوله " يعود داخل منطقة الضوء وهو يحمل دفترا عتيقا "24 هذا الدفتر العتيق حالة استذكارية للزمن الماضي، ويبدو أنه يمثل حالة حميمية قصوى عند كراب، لأنه حالما داهمته الفكرة أسرع يبحث عن هذا الدفتر. إن الدفتر أعطاه جرعة يقظة وحميمية، وكأن الزمن الآن ينقله من حالة الاكتئاب والوحدة إلى حالة من الفرح، فهو يقول بعد إحضار الدفتر " منتشيا آه، يقرأ الصندوق الثالث باستمتاع شريط، يبتسم بسعادة.. يبدأ التحديق والبحث بفضول في الصناديق"25
ويتكرر هذا المشهد الذي يوحي بالسعادة ومن خلال هذه السعادة يتمتم مرات كثيرة شريط ويتذكر الربيع والمربية السمراء، ثم يقول وداعا إلى الحب، ويضع الشريط في المسجل" 26
إن هذه الحالة المبهجة لدى كراب هي حالة الماضي الأليف الذي كان يعيشه فيما مضى، ويبدأ الشريط يعيد سيرة كراب الزمنية الماضية، ويبدو في تلك اللحظة عصبيا " يخبط بعنف الصندوق .. يلقي الدفتر بعنف على الأرض .. لكنه يستأنف الاستماع مرة أخرى " 27
تبدو حالة العنف والغضب فقدان اللحظات السعيدة في الوقت الحاضر. إلا أن كراب وهو يعود بتذكر الماضي ومن خلال الحضور؛ ليؤكد لنفسه أن الضوء الذي يسقط فوق المائده يقلل من وحدته، وسرعان ما يتكرر الظلام من حوله، هنا يفتقد كراب لحظة الحميمية الماضية. ويستذكر اللحظة الحميمية لأيام الصبا عندما يذكر أغاني العجوز " كانت تقول إنها أغاني صباها وإن كان من الصعب تصورها كصبية " 28
إن الجملة الأخيرة تشي باستدعاء الماضي، فالصبا يكون بالماضي، ولكنها الآن عجوز، وهو يؤكد هذا لنفسه. ولكنه بحزن وفجيعة يقول " منذ لحظات كنت أصغي إلى عام مضى ... لكن من المؤكد أنه ليس أقل من عشر أو اثنتي عشر عاما مضت... في ذلك الوقت كنت على ما أظن لا أزال أعيش على نحو متقطع مع بياكا في شارع كيدار .. عجبا أن تكون نهاية ذلك، مشروع ميؤوس منه .." 29
هذا التذكر يعود بكراب إلى حالة العاطفة التي ولت، ولكنها لحظات حميمية، وبدا غير مصدق بأن ذاك الحدث مرت عليه سنون طويلة، ثم يأخذ كراب يشرح بياكا معجبا بها ومحبا لها، وهو يتذكر الحياة السعيدة والمفقودة الآن. ويصل بنا إلى حالة اكتئاب وحزن وهو يقول " من الصعب أنني كنت في أي وقت من الأوقات ذلك الصبي الصغير"30 وبحالة أكثر حزنا يقول " كل ذلك قد انتهى تماما"31 وأكثر حزنا عندما يغني" النهار الآن قد ولى وليل يجر وراءه ليل أشباح "32 هذا المقطع الغنائي يبين عن الحسرة النفسية التي يمر بها كراب في الحاضر، ولكن السبب بغياب ذاك هو الزمن الذي ظل يسير لا يأبه بأحد، فبقي كراب يعيش في صورة ذهنية للزمن الماضي ذكريات متشظية بسبب زمن مفقود فيزيائيا، والحضور الطاغي الآن هو النزمن النفسي.
ومرة أخرى نتلمس اللاجدوى مما يفعله كراب " آه انته من شرابك الآن وآو إلى فراشك، وفي الصباح واصل حديثك الحمق " 33 الحديث واضح عن عبثية ما يفعله الإنسان وكأن الماضي بكل ما فيه من ذكرى جميلة أو بائسة في الوقت الحاضر يبدو عبثيا وكأنه لا شيء. ويصل إلى درجة عالية من الاكتئاب والحزن" ربما تكون أجمل سنوات عمري قد مضت، بينما كانت هناك فرصة للسعادة، لكني لا أريدها أن تعود " 34 إنها حالة من الرفض لشيء لا يمكن أن يعود الآن إنها حالة من العبثية.
والعبثية في المسرحيّة تعبر عن حالة الفقدان والغياب، ومهما حاول استجداء أو رفض الماضي بحضوره سيبقى غيابا، وما عدم الاهتمام بالنفس من حيث الهندام ووساخة الهندام، وتقشير إصبع الموز وإلقائه في المكان، ووضعه في جيبه وإهماله أيضا، لأنه لم يأكله، تؤكد البعد النفسي الطاغي في مونودراما شريط كراب الأخير من خلال الزمن الفيزيائي المتواري.
فالزمن الفيزيائي في مسرحية شريط كراب الأخير، يتمثل من خلال الماضي كتاريخ سار بشكل لا متناه حتى وصل هذه اللحظة التي يمثلها كراب على الخشبة، وأثناء العرض يبقى الزمن التاريخي الكرونولوجي يسير ما بين كل فعل وآخر، وربما هذا ما لا يدرك من قبل المتلقي؛ لأنه الآن يعيش في الزمن النفسي ويتشارك مع كراب في هذا الزمن، ولكن الزمن التاريخ سيدرك من خلال بداية العرض والسير فيه ونهايته. وقد تمثل الزمن الفيزيائي لكراب، كما تشي به المسرحيّة من خلال سردية لحياة كراب الماضية، وما تمثل فيها من الجانب العاطفي الجميل الذي عبر عنه بقوله " هناك فرصة للسعادة، لكني لا أريدها أن تعود " 35 ولكنه الآن لا يريد إعادته، والسؤال كيف سيعاد ؟ إن رفض كراب لإعادته يمثل حالة جدلية مع الزمن الفيزيائي الذي لا يعود، ويؤكد على حضور الزمن النفسي الذي يمثل الحضور.
ولم يبق الحوار في مسرحية شريط كراب الأخير ذاتيا، بل هناك حوار يبدو موجها للجمهور، وخاصة عندما يقوم كراب بسرد جانبا من قصته، ولم يكتف بما جاء في الشريط، وهذا السرد التمثيلي كان حوارا موجها للجمهور، وبدا الحوار الموجه إلى الجمهور بوضوح أكثر، بعدما أدرك كراب حقيقة الحضور " الآن " وقد أبان عن ذاك الحوار بقوله"الآن أختتم هذا الشريط، الصندوق الثالث الشريط الخامس، ربما تكون أجمل سنوات عمري قد مضت، بينما هناك فرصة للسعادة، لكني لا أريدها أن تعود"36
وحالة السكون التي مثلت تأمل لكراب في نهاية المسرحيّة، هي حالة تمثيلية يتأملها الجمهور، تبين عن علاقة اشتباك ما بين الممثل والجمهور، وكان هذا الاشتباك بعدما استطاع كراب أن يجعل المتلقي يستمع إليه بعقله وقلبه وبعينيه أيضا.

الهوامش :
1- قرانك م. هوايتنج، المدخل إلى الفنون المسرحيّة، ترجمة كامل يوسف وآخرون، نشر بالتعاون مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر القاهرة نيويورك 1970،
2- هوايتنج، المرجع نفسه،
3- هوايتنج، المرجع نفسه،
4 - جان دوفينيو، سسيولوجية المسرح، ترجمة حافظ الجمالي، وزارة الثقافة، سوريا، دمشق 1976
5- نديم معلا، الجسد والمسرح، مجلة عالم الفكر، مجلد 37 ابريل يونيو 4 الكويت، 2009
6 - جوليان هلتون، نظرية العرض المسرحي، ترجمة نهاد صليحة، مكتبة المسرح مركز الشارقة للابداع الفكري.
* انظر كتاب الاتجاهات المسرحيّة المعاصرة نهاد صليحة مهرجان القراءة للجميع، القاهرة، 1997
7- غاستون باشلار، جدلية الزمن، ترجمة خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، د ت،
8- مراد عبد الرحمن مبروك، بناء الزمن في الرواية العربية المعاصرة، الهيئة المصرية، 1998
9- سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الدار البيضاء، المركز الثقافي، 1989،
10- سعيد يقطين، المرجع نفسه،
11- إبراهيم محمود، الجسد والزمن، مجلة كتابات معاصرة، 1997،
12- مراد عبد الرحمن مبروك، بناء الزمن في الرواية العربية المعاصرة، مرجع سابق،
13- مراد عبد الرحمن، المرجع نفسه،
14 - روبرت همفري، تيار الوعي في الرواية الحديثة، ترجمة محمود الربيعي، دار غريب، القاهرة، 2000،
15- نهاد صليحة، الاتجاهات المسرحيّة المعاصرة، مهرجان القراءة لجميع، القاهرة، 1997
16- سعد أردش، المخرج، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1979،
17- جوليان هلتون، مرجع سابق،
18- صامويل بيكيت، خمس مسرحيات تجريبية لصامويل بيكيت، ترجمة نادية البنهاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992،
19- المصدر نفسه، ص27
20- المصدر نفسه، ص28
21- المصدر نفسه، ص28
22- المصدر نفسه، ص40
23- المصدر نفسه، ص27
24- المصدر نفسه، ص28
25- المصدر نفسه، ص28
26- المصدر نفسه، ص29
27- المصدر نفسه، ص30
28- المصدر نفسه، ص31
29- المصدر نفسه، ص31
30- المصدر نفسه، ص32
31- المصدر نفسه، ص32
32- المصدر نفسه، ص33
33- المصدر نفسه، ص39
34- المصدر نفسه، ص40
35- المصدر نفسه، ص40
36- المصدر نفسه، ص40
***
منصور عمايرة كاتب وناقد مسرحي وروائي أردني
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
avatar
الفنان محسن النصار
مدير هيئة التحرير

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 3068
تكريم وشكر وتقدير : 5148
تاريخ الميلاد : 20/06/1965
تاريخ التسجيل : 12/10/2010
العمر : 52
الموقع الموقع : mohsenalnassar.blgspot.com

http://theaterarts.boardconception.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى